ابن عربي
311
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
ما أنا ممن يحب هذه الأحجار من أجل العطاء والإنفاق ، لكني أحبها لعينها ، أموت جوعا ولا أقدر أن أنفقها أصلا ، وما يخرج منها من يدي شيء إلا وتخرج روحي معه . حديث أمية بن يزيد الأموي قال : كنا عند عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية ، فجاء رجل من أهل بيته ، فسأله : المعونة على التزوج . فقال له قولا ضعيفا ، ووعده وعدا فيه قلة إطماع ، فلما قام من عنده ومضى دعا صاحب خزانته ، فقال : أعطه أربعمائة دينار ، فاستكثرناها ، فقلنا له : لما كلمك رددت عليه ردا ظننا أنك تعطيه قليلا ، فإذا أنت أعطيته أكثر مما أمل . قال : إني أحب أن يكون فعلي أحسن من قولي . قلت : ونزل على جدي حاتم الطائي ضيف ، ولم يحضره القري ، فنحر ناقة الضيف وعشّاه وغدّاه ، وقال له : يا ضيف ، إنك قد أقرضتني ناقتك فاحتكم . قال : راحلتين . قال حاتم : لك عشرون ، أرضيت ؟ قال : نعم ، وفوق الرضا . قال : فلك أربعون . ثم قال لمن حضره من قومه : من أتانا بناقة فله ناقتان بعد الغارة ، فأتوه بأربعين ، فدفعها إلى الضيف . وحكي لي عن حاتم أيضا : أنه خرج في الشهر الحرام يطلب حاجة ، فلما كان بأرض غزّة ناداه أسير : يا أبا سفانة ، قد أكلني الأسر والقمل ، قال : واللّه ما أنا ببلادي ولا معي شيء ، وقد أسأت إليّ إذ نوّهت باسمي . فذهب العرس ، فساومهم ، وقال : خلوا عنه وأنا أقيم مكانه في قيده حتى أؤدي فداءه ، فأتاهم بفدائه . حدثنا أبو ذرّ ، وقد وقع ذكر حاتم طي ، فقال لي : ذكر من أخبار جدك أنه لما مات ، يعني حاتما ، خرج رجل من بني أسد يعرف بأبي البحتري في نفر من قومه ، وذلك قبل أن يعلم كثير من العرب بموته ، فأناخوا بقبره ، فقال : واللّه لأحلف للعرب أني نزلت بحاتم وسألته القرى ، فلم يفعل . وجعل يضرب برجله قبره ، ويقول : اجعل أبا سفانة قراكا * فسوف آتي سائلي ثناكا فقال بعضهم : ما لك تنادي رمة ؟ وباتوا مكانهم . فقام صاحب القول من نومه مذعورا ، وقال : يا قوم ، عليكم مطاياكم لقرى حاتم . فقالوا : كيف ؟ قال : إنه أتاني في منامي هذا فأنشدني : أبا البحتري وأنت امرئ * ظلوم العشيرة شتّامها ما ذا أردت إلى رمة * بدمنة قد صبحت هامها